التّعالي على الأنظمة.. «قيادة المرأة» مثالًا.!!
ساري محمد الزهراني
لقد أصبح النّاس في غضون الشّهر الفارط لا يعرفون من قاموس المُفْردات سوى: تقود، أو لا تقود.. لا..لا تقود.. لا.. لن تقود.. وكأنَّ قضايا البلد عمومًا وقضايا المرأة خصوصاً محصورة في كلمتين!!
إنَّ من أمارات التَّخلف في التّعاطي مع القضايا المحسوبة عند البعض من أولى الأولويّات أنْ تصبح حديث النّاس صباحًا ومساءً، على ديدن المشتغلين بتوافه الأمور وسقطات الأفعال، ولعلَّ من تلك القضايا التي أخذت تنحو منحى القضايا الكبرى ذات البعد المصيري في حياتنا كسعوديّين هي قضيّة قيادة المرأة للسّيارة، خاصّة بعد أنْ خرجت امرأةٌ كاسرة حدّ الأنظمة وقادت سيارةً في بضع دقائق حتى غدت ما بين عشيّة وضحاها بطلةً من الأبطال، ورمزًا من رموز الصّحوة في عالم آدم وحواء.
لن أقول بجواز قيادة المرأة للسّيّارة، كما هو حال من أفتى بذلك من الكَتَبة وأهل المشيخة، ولن أَفْعل فَعْل من حرَّم ذلك من آل العلم من المتفيقهة؛ لأنَّ المسألة لم تعد حكمًا شرعيًّا بقدر ما هو عرف اجتماعيّ، يصحّ فيه الصّواب كما يصحّ فيه الخطأ، كلّ ذلك يحكمه المجتمع بناء على أنظمة حكوميّة وقانون يجب احترامه مثله مثل أيّ نظام نسعى للتّمثل به كما تسعى أيّ جهة رسميّة لتطبيقه.
ولن أقول إنَّ من حقِّ المرأة أن تقود سيّارة فذلك شأن شخصيّ وحرّيّة فرديّة لها تبعاتها النّظاميّة، وكلّ فرد معلّق بتحمل المسؤوليّة المناطة به، فعلى قَدْر التّمرد على الأنظمة يكون الجزاء الرَّادع، والعقاب الصَّارم.
إنَّ القضيّة أيّها السّادة لا تقف عند حدود امرأة قادت سيارة بقدر ما تكون القضيّة خروجًا على أنظمة دولة وقانون بلد، فمثل ذلك كمثل من خرج أمام النّاس في دعوة صارخة بقطع جميع إشارات المرور، أو تجاوز السّرعة النّظاميّة، أو أذيّة خلق الله في الطُّرقات، فكلاهما سيّان بحكم النّظام وحكم القانون.
كما أنَّ المسألة عندي لا تعني أبدًا أنْ تقود المرأة سيارة أو لا تقودها بالقدر الذي يعني أنَّ هناك تعاليًا كبيرًا على حدود أنظمة بلد وتكبّرًا على قوانينها؛ وكلّ ذلك مدعاة إلى الفوضى والغرور والسّفه والطّيش، وإن تلبّس بلبوس الشّطارة والشّجاعة.
قبل أكثر من خمس عشرة سنة كنت في صحبة أحد الأصدقاء حينما ذهبنا إلى إحدى البوادي فأشار صاحبي إلى امرأة تقود سيارة، تذكرت هذا الآن بعد أن خِلت أنَّ الزّمن قد طوى تلك القصّة من الذّاكرة، فهل صنعت لتلك المرأة في داخلي موقفًا بطوليّاً حينما رأيتها تقود سيارة؟ وهل بتُّ أفكّر في أمرها كي تصبح عندي وعند صاحبي حديثًا لا ينقطع؟!
كلا، إنما هي فقط بضع كلمات قِيلت في حينها لا تخرج أبدًا عن أدب اللّياقة واحترام الموقف، ثمَّ انقطع التّعليق إلى أمر آخر.
مع هذا أتفّهم جيّداً الفرق بين امرأة تقود سيّارة في صحراء، وأخرى تقودها في شوارع عامّة؛ لأنَّ تحديد موقفي ليس من منبت فكرة القيادة في ذاتها، فبعض النّساء يقدّن السيارة خارج الحدود، وقيادتها هناك حقّ شخصيّ وحرّية فرديّة تابعًا لأنظمة كلّ بلد؛ ولكننّي أنبذ التّعالي على أنظمة دولة والتغطّرس على قانونها. وممّا يزيدك حنقًا أنْ يقوم ثلّة باستعداءِ جهاتٍ أخرى على بلدِهم ملتمسين العون والمساندة في ظرف لا يحتمل كلّ هذه الصّراعات، بل لا يحتمل هذا الاستعداء..!!

جريدة المدينة ملحق الرسالة
الجمعة 8رجب 1432هـ