المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخليل بن أحمد الفراهيدي العماني



الأزدي العماني
19-02-2008, 05:54 AM
الخليل بن أحمد الفراهيدي

هو الخليل بن أحمد الفراهيدي من بني فراهيد بن مالك بن فهم ، ولد في عمان سنة 100 هـ في بلدة ودام الساحل وهي بلدة ساحلية تقع بالجانب الغربي من ولاية المصنعة في منطقة الباطنة ، وتطل على خليج عمان ، وتبعد 120 كيلومتر شمال غرب العاصمة مسقط.
ويقول الكاتب محمد عبدالخالق: الحديث عن العالم الجليل ، الخليل بن احمد الفراهيدى يثير فى النفس مشاعر العبقرية الفريدة من نوعها فقد كان الخليل يقف عند ظواهر الاشياء وقفة المتعمق ويغوص فى مكامنها غوص الواعى الحريص على استنباط كنهها واستخلاص النتائج مما غمض على عامة الدارسين من اسرارها فيبرزها فى صورة جلية واضحة سرعان ما تغدو قواعد يحتذيها كل سائر على درب الفكر والعقل .
كانت عقلية الخليل بن احمد من ذات النوع الدؤوب الذي تشغله القضايا حتى تملك عليه كيانه فيظل يصارعها وتصارعه حتى يجليها الجلاء الحسن ويطرحها للناس الطرح المفيد فيفيدون منها ويحتلبون مزايدها ويطورون فيها ان استطاعوا الى ذلك سبيلا ولقد شغل الخليل نفسه بعلوم اللغة العربية وتراكبيها واوزانها واستنبط لنفسه وسائله و ادواته الخاصة شأن كل صانع ماهر وعالم حصيف يعكف على تطوير ادوات العمل التي بين يديه حتى تستجيب لتطلعاته العلمية المتشوقة الى الاستنباط والوصول الى النتائج الافضل للبحث الطويل المتعمق .
ولعل الدارسين يعرفون من اعمال الخليل عملين اشتهر بهما أيما شهرة وذاع ميته فى الأفاق تأسيسا على قدرته الابداعية الفذة التي بدت معالمها فى العملين كليهما اكثر من اعماله الاخرى التي لاتقل اهمية ولكن طالت يد الحدثان منها الكثير.

ويقال أن أحمد والد الخليل هو أول من سمي بأحمد بعد الاسلام ، ويبدو أن الخليل قد هاجر إلى البصرة مع أبويه وهو في سن صغيرة فأقام بها ونسب إليها. إنـَّه مثل غيره من العمانيين الذين كتب الله عليهم أن ينشئوا ويتعلَّموا ويشتهروا في ديار الغربة بعيدا عن موطنهم الأصلي، وكأنَّ الأقدار كانت تهيِّئ هذا العالِم الجليل لأمر عظيم لا يكون في مستوى عُمَان وحدها، بل يتخطَّى ذلك كلَّه إلى أن يكون في مستوى الإنسانية قاطبة؛ لأنَّ في العلوم التي اخترعها أو ابتدعها ما يضفي عطاءه وخيره على الناس جميعاً، وليس على المسلمين أو العرب وحدهم.

وهو يعدُّ من هؤلاء الزمرة من مواطنيه العمانيين الذين اشتهروا خارج وطنهم من أمثال جابر بن زيد، والربيع بن حبيب، والمبرد، وابن دريد والمهلب بن أبي صفرة الأزدي وغيرهم.

يقول الدكتور محمد صالح ناصر في البصرة التي كان يطلق عليها "بصرة الأزد" نشأ وتربَّى وعاش، وليس لدينا من المعلومات ما يجعلنا نقف على تفاصيل نشأته هذه سوى ما تحكيه بعض المصادر عن ذكائه الخارق، وجرأته منذ نعومة أظفاره، فقد قيل إنَّ الفرزدق الشاعر المعروف كان مارًّا بإحدى طرق البصرة، وكان الصبية يلعبون بها، وما إن مرَّ بهم الفرزدق فوق بغلته حتى أخذوا يرمقونه بأعينهم، ويبدو أنَّ ذمامة خلقه استوقفت أنظارهم، فأراد أن يخوِّفهم فقال:

نظروا إليك بأعين محمرة

نظر التيوس إلى مُدى القصَّاب

وضغط على كلمة مدى، وكأنـَّه يريد بذلك ترويعهم، فتفرَّق الصبية مذعورين من حوله، إلاَّ صبيا واحدا وقف ينظر إليه في تحد قائلاً: «نظرنا إليك كما ينظر إلى القرد؛ لأنَّك مليح» وتضاحك الصبية، وخاف الفرزدق أن يصل خبر هذه الأحدوثة إلى أسماع جرير فيجعلها موضوعا لإحدى نقائضه، وفضّل الانصراف على الفضيحة. يقرِّر بعض الدارسين أنَّ الخليل أدركته طفولته بأحضان مدينة البصرة، ولعلَّه لم يتجاوز السادسة من عمره، كما تدلُّ على ذلك حكايته مع الفرزدق، حيث كان صبيا يلهو مع صبية البصرة في شوارعها.

ويفترض أنـَّه كان يعيش بمحلَّة الأزد عشيرته، وهي محلَّة مشهورة معروفة في المصادر الأدبية واللغوية والتاريخية، وموقعها من الشمال الغربيِّ من المدينة، إلاَّ أنـَّه قد مرَّ بنا أنـَّه كان يعيش من بستان خلَّفه أبوه في الخـُريبة، وكان لبني بكر وأهل العالية، ولبني تميم دساكر في الخريبة، ومن هنا نستخلص أنَّ الخريبة كانت منطقة بساتين وليس من المحتَّم أن يعيش فيها أصحابها، فإنـَّنا نرى هذا كثيرا في المناطق المعروفة ببساتينها، فقد يملك أو يؤجّر أحدٌ بستانا قد يكون بعيدا أو قريبا من محلِّ سكناه، وليس من الضروري أن يكون ساكنا فيه.

وكان الخليل - كما تدلُّ على ذلك أخباره - كثيرَ التردُّد على باب المربد، الذي يخرج منه إلى المربد. ويعتبر المربد مدرسة ثانية للبصريين إلى جانب الجامع والمساجد، وكان للبصرة ستة أبواب، وكانت مدينة محصَّنة؛ لأنـَّها دار هجرة تأوي الجنود الذين ينطلقون إلى الفتوحات، وقد اختطَّت حيث تنتهي عند رمال الصحراء، وفي الأرض الغنية السوداء التي تروى بالمياه الصادرة مما يكوِّنه اتحاد الفرات بنهر دجلة، وهذا ساعَدَها على أن تكون مدينة خصبٍ ورخاء وازدهار اقتصاديٍّ وتجاريٍّ وزراعيٍّ سريع، وهذا يعود ولا شك إلى طبيعة موقعها لكونها مدينة بحرية نهرية صحراوية في آن واحد، وهكذا التفَّت بها حضارة الصحراء العربية الناشئة بنمط الحياة البحرية والزراعية، وتولَّد عن هذا المزيج مزيجٌ آخر في مجتمعها المتكوِّن من العرب والأعاجم، بل من الأعراب والمتحضِّرين، وأفرز هذا التنوع مدرسة حضارية، شكَّلت الحضارة البصرية المعروفة بطابعها المتميز في كلِّ ميادين الحياة.

كانت التجارة البحرية والنهرية مزدهرة جدًّا في البصرة، وقد بلغت هذه المدينة المرتبة الثانية في الأهمية بعد بغداد، وصارت مقصد القوافل الواردة من كلِّ حدب وصوب، ومحطَّ رِحال الشرق والغرب، وحريٌّ لها أن تلقَّب بـ: قبة الإسلام، كما سماها بذلك مخطُّطها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وقد عمِّرت البصرة بالأسواق الممتلئة بسلع الشرق الغنية، ونما فيها سوق المربد الذي كان في الأصل سوقا للإبل، ثم تحوَّل مع الزمن إلى سوق عظيمة للفكر والأدب، تُتخذ فيها المجالس، ويخرج إليها الناس كلَّ يوم، وتتعدَّد فيها الحلقات، ويتوسَّطها الشعراء والرجَّاز، يكفي أن تكون منطلق شعر النقائض ذي الشهرة الواسعة، ويقال إنَّ المربد صار أكبر أسواق العالم آنئذ، وهو الذي ورث سوق عكاظ في الجاهلية، فصار يعرف بـ"عكاظ الإسلام". وهكذا صارت البصرة منذ صدر الإسلام مقراًّ للعلماء والحفَّاظ والقرَّاء، ولم ينبغ شاعر أو أديب أو كاتب ولا برز عالم بارع إلاَّ وقصد البصرة مفيدا أو مستفيداً.

كانت البصرة تعجُّ في هذه الآونة من بداية القرن الثاني الهجري بمراكز العلم والمعرفة، وكان بها مركزان هامان هما: المساجد، وسوق المربد. وعَرفت لمركزيها هذين إقبالا من الفقهاء والمحدِّثين واللغوِّيين والمتكلِّمين والشعراء، وهكذا راح الخليل يختلف إلى هذه الحلقات، يدفعه إلى ذلك حبُّ العلم وتردِفه مواهبه... ذكاء خارق، وحافظة فيَّاضة، واستقامة مشهودة. وكان من أبرز أساتذته في هذه الحلقات عالمان مشهوران هما: عيسى بن عمرو الثقفي، وأبو عمرو بن العلاء.

ولعلَّ اللغة العربية جمعا وتأليفاً وضبطا استقطبت اهتماماته لعوامل اجتماعية وثقافية منها: ما أخذ يشيع من لحن في اللغة؛ لكثرة الدخيل الأجنبي الوافد مع الأعاجم وغيرهم، الذين أخذوا يدخلون الإسلام ويمتزجون بالشعوب العربية بكلِّ ما يحملونه من تقاليد، وعادات، ولغات، وأفكار، والخليل لم بنظر إلى هذه الوفادة من جانبها السلبيِّ، بل نظر إليها من جانبها الإيجابيِّ أيضا، فاحتكَّ بهذه الشعوب، وتعلَّم منها، وأخذ من مناهجها وأفكارها.

وهكذا انكبَّ على علوم هذه الشعوب المستعربة مثل العلوم الرياضية والإيقاع، ولعلَّه قرأ مترجمات للمنطق اليونانيِّ بحكم العلاقة الحميمة التي كانت بينه وبين ابن المقفع الفارسيِّ، الذي قال عنه الخليل: «رأيت رجلا عقله أكبر من علمه» وهو يعبر بذلك عن هذا العقل الجبار الذي كان يهضم كلَّ الثقافات، ثم يضيف إليها من تفكيره وبُعد نظره، فخالف بذلك الكثير من معاصريه الذين يتلقَّون هذه العلوم بدون إضافة، وهكذا وفَّر له المناخ الثقافيُّ والاجتماعيُّ البصريُّ المجالَ لينمِّي مواهبه وعلومه. قيل: إن «الخليل» دعا وهو بمكة أن يُرزق علماً لم يسبقه إليه أحد، ولا يؤخذ إلا عنه، فلما رجع من حجه، فُتح عليه بعلم العروض، وكانت له معرفة بالإيقاع والنغم، فأحدثت له تلك المعرفة استنباط هذا الفن الأدبي الجميل. وهو (علم تقطيع الشعر العربي).

ما قيل عن الخليل:
يقول أبو محمد التوجي: «اجتمعت بمكَّة أدباء كلِّ أفق فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كلِّ بلد يرفعون علماءهم ويصنِّفونهم ويقدمونهم، حتى جرى ذكر الخليل، فلم يبق أحد إلاَّ قال: الخليل أذكى العرب، وهو مفتاح العلوم ومصرفها»، كما نقل عن سفيان بن عيينة قوله): «من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد.(و قال «حمزة بن إسحاق»: إن دولة الإسلام لم تخرج للعلوم التي لم يكن لها عند علماء العرب أصول، أبدع من (الخليل) وليس على ذلك برهان أفصح من علم العروض، الذي لا عن حكيم أخذه، ولا على مثال تقدمه، فاحتذاه.. وإنما اخترعه من مرور له بـ «سوق الصفارين كسوق النحاسين» ومن وقع مطرقة على طست، فلو كانت أيامه قديمة، ورسومه بعيدة لشك فيه بعض الأمم، لصنعته مالم يصنعه أحد.

الخليل متعلِّما:

نستطيع القول إنَّ الخليل بدأ تعلُّمه بالبصرة؛ ذلك أنَّ طفولته المبكِّرة في عُمان لم تسمح له بأكثر مما يتعلَّمه الطفل عن والديه من مبادئ التربية، والأخلاق والدين، وقد بدأ بالبصرة يختلف إلى الكُتَّاب صبيا، وبدت عليه علامات الذكاء والنجابة منذ صباه، وقد استدللنا على ذلك من تفوُّقه العلميِّ، ثم من خبره مع الفرزدق حسبما مرَّ بنا، فإنَّ جواب الخليل للفرزدق، رغم شهرته، ينمُّ عن ذكاء وسرعة بداهة، وجرأة في معالجة المواقف الحرجة، ومما لا شكَّ فيه أنَّ الخليل انفتح على بيئة البصرة التي بهرته بما تضجُّ به من مراكز العلم المسجدية منها، والمربدية، والبدوية، والحضرية.

وقد كان منظر الناس متحلِّقين في المساجد حول الشيخ يعلِّمهم وينوِّرهم من المناظر التي أثَّرت في نفس الخليل منذ صباه، وحرَّكت في أعماقه الرغبة في السير في هذا الطريق، وحرَّكت في أحنائه الحبَّ والميل إلى العلم والعلماء، وقد أثَّر في نفسه - كما تدل الأخبار - منظر الحسن البصريِّ، هذا العالم الورع الجليل، حين مرَّ بحلقته وهي مكتظَّة بالمتلقِّين، فعبَّر عن هذا الإعجاب بقوله: «لا إله إلاَّ الله، لقد كاد العلماء أن يكونوا أرباباً، كلُّ عزٍّ لم يوطد بعلم فإلى الذلِّ يؤول»
ويفهم من هذا النص أنَّ الخليل أدرك بعقله النيِّر أبعاد هذه المنـزلة وهو دون العاشرة؛ لأنَّ الحسن البصري توفي سنة (110هـ)، والخليل كما هو الراجح ولد سنة (100 هـ ).

ولعلَّ في هذه المقولة ما يشير إلى الطريق الذي اختاره منذ صباه؛ إذ لم تبهره الجوانب المادية من حياة الناس، ولا بهرج المال وزخارفه، فقد رأى العزَّ الحقيقي في العلم، الذي ينظر الكثير إليه باستخفاف وزراية.

وأخذ الخليل يختلف إلى حلقات العمل في مساجد البصرة، ولعلَّ بداية دراسته كانت على يد أيوب السختياني الذي تلقَّى عنه الحديث والفقه، وكان السختياني من مشاهير فقهاء ومحدِّثي البصرة، وهو الذي يقول عنه الحسن البصري: «أيوب سيِّد شباب أهل البصرة»؛ لِما كان يتَّصف به من ورع وصلاح وزهد وعبادة، وكان الخليل إذ ذاك حدثاً، وقد راقه ما كان يسمعه من شيخه هذا، فاستمع إليه طويلاً، وتأثَّر بنسكه وزهده، كما أعجب من قبلُ بالحسن البصري، وكان أيوب السختياني يقول: «تعلَّموا النحو فإنَّه جمال للوضيع، وتركه هجنة للشريف».

وهكذا راح الخليل يتنقَّل بين حلقات اللغة العربية وعلومها وآدابها، وشدَّه منها حلقات النحو التي كانت آهلة بالطلاَّب، فكان الخليل كغيره من الطلاَّب يتنقَّل بينها، ولعلَّ النحو كان في هذه الآونة من العلوم المستحدثة التي استقطبت الأنظار، فهي مدار العلوم كلِّها، وآية ذلك ما شاع بعد ذلك من منافسة مدرسة البصرة النحوية, ومدرسة الكوفة، وكانت بيئة البصرة بتكوُّنها الديموغرافي تدفع إلى العناية بهذا العلم.

ولم يجلس الخليل إلى أستاذ واحد، وإنـَّما كان ينتقل من شيخ لآخر، ومن حلقة في المسجد إلى أخرى في المربد، ومن معلومة يتلقاها من شيخ إلى أخرى يدوِّنها من أعرابي في البادية... وهكذا، وقد كان يعبِّر عن وجوب الحرص في تلقي العلم بقوله: (لا يعلم الإنسان خطأ معلِّمه حتى يجالس غيره).

ومن شيوخه المشهورين الذين وجَّهوه هذه الوجهة اللغوية - فيما يبدو - عيسى بن عمرو الثقفي، المقرئ النحوي الذائع الصيت في علم القراءة، وكان الخليل به معجباً، طالما أشاد بعلمه, وبكتابه "الجامع والإكمال"، كما يبدو أنَّ تأثير هذا الإمام اللغوي تجلَّى في اصطناعه القياسَ أصلا من أصول النحو، فقد كان معروفا أنَّ عيسى بن عمرو كان ممن يصطنع القياس.

وممن اشتهر في عهده أبو عمرو ابن العلاء، وهو أحد القرَّاء السبعة، ومن أعلم الناس في عصره بالقرآن مع صدق وثقة وأمانة ودين، وكانت له حلقة شهيرة في المسجد الجامع بالبصرة، يجتمع إليه فيها رجال القراءة والأدب واللغة والنحو.

وكان أوَّل اتصال للخليل بهذا العالم الجليل يوم هبط البصرة وهو يعتزم مناظرته بعد أن سمع عنه رأيا لم يوافقه عليه؛ ولعلَّ حماس الشباب كان يحدو به إلى ذلك؛ ولكنـَّه عدل عن رأيه وظلَّ يستمع إليه، فسأله بعض أصحابه عمَّا ردَّه عن عزمه فقال: «هو رئيس منذ خمسين سنة، فخفت أن ينقطع فيفتضح في البلد»

هذا الخلق الكريم هو الصاحب الذي التزم به الخليل فلازمه، حتى بات هو الطابع الغالب على سلوك الخليل في حياته كلِّها. هذا الشعور بالتواضع هو السرُّ الذي يقف وراء الاجتهاد، الذي لم ينقطع قطُّ عن الخليل في دنيا التحصيل، فقد ظلًَّ طول حياته متعلِّما، منقطعا إلى التعلُّم الانقطاع كلَّه، لم يشتغل بدنيا، ولم ينصرف عن الكتب إلى جاه أو منصب.

فالخليل كما يقول أحد الدارسين المعاصرين متعلِّم من النوع الذي لا يؤمن بانتهاء مدَّة العلم، كما أنـَّه من أوائل الذين ابتدعوا قضية تطوير التعليم.

ومن خلال تتبُّع أخباره وأقواله وأفعاله وسيرته، نجد المقولة الرائعة عن العلم: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلَّك، ثم أنت بإعطائه إياك بعضه مع إعطائك إياه كلَّك على خطر». وقد كنَّا نسمع أو نقرأ هذا القانون العلميَّ عن العلم والتعلُّم للغزاليِّ، ولكن الأجمل من هذا أن ينتسب إلى الخليل.

ويمكن القول إنَّ الخليل من أوائل من جمعوا العلم للحياة، أو العلم من أجل العلم لا من أجل الكسب والرياء وحبِّ الظهور، ولذا قيل عنه كان من المنقطعين للعلم.
ولكن هل سلم الخليل من الناس وانتقاد ما توصل إليه من نظريات علمية باهرة؟

كان طبيعيا أن يقابَل مثل الخليل بالتنقيص والإساءة؛ لأنـَّه مبدع، وكلُّ مبدع مرفوض مخذول من الناس؛ لأنَّ من طبيعتهم الرضى بالمعتاد، والسير على المنوال، وتقليد السابق، وكلُّ من حاول الخروج عن الجماعة برأي جديد أو فكر وليد، اتهموه وفسَّقوه وبدَّعوه، والتراث مليء بأقاصيص التفسيق والتكفير لكلِّ من حاول التجديد في ميدان السياسة، أو الاجتماع، أو الفكر بصفة عامة، وفي أخبار الخليل ما يشير إلى معاناته من الناس الذين لم يتقبَّلوا إبداعاته في مجال اللغة والشعر، والنحو والإيقاع، ولم يُقبلوا على آرائه واختراعاته في تشكيل الحروف وضبط الكلمات، إلاَّ بعد دهر طويل من وفاته.

لقد تعوَّد الناس أن يشكِّلوا الكلمات بالنقط حسبما توصَّل إلى ذلك أبو الأسود الدؤلي، ولكنَّ الخليل وجد أنَّ هذه النقط كثيرا ما اختلطت بالنقط في الحروف المعجمة مثل: الياء والثاء والباء، وغيرها، فلا يميز بين نقط التشكيل ونقط التعجيم إلاَّ بالألوان: اللون الأسود للتعجيم، واللون الأحمر للتشكيل، وهكذا هداه تفكيره بعد طول تأمُّل إلى الرمز للحركات بعلامات أخرى تتميز في أشكالها عن النقط، فرمز إلى حركة الضم في الكلمة بواو صغيرة (و) مكوَّنة في أعلى الحرف، وللفتحة بألف صغيرة (ا)، وبالكسر ياء صغيرة (ي)، وقد رُفضت هذه الطريقة من معاصريه خوفا أن يتغير بذلك رسم القرآن، وظلَّ رفضهم هذا دهرا بعد وفاته، ثم تعوَّد عليه الناس وقبلوه وأقبلوا على استخدامه حتى يومنا هذا.

«وتوفي وفي بلاد الإسلام من لم يرض بها، وهم أهل الأندلس، تعصُّبا أو لغير ذلك، ثم أذعنوا لحسنها، بل أذعن أصحاب القراءات لها، فأدخلوا في القرآن ذلك بعد وفاة الخليل بدهر»

إنَّ نزعة التأمُّل التي وُهبها الخليل ساعدته على تعمُّق عادات الناس وطبائعهم واختلاف أخلاقهم، ومكَّنه ذلك من معرفة الطرق السلوكية التي ينبغي أن تُستخدم معهم حتى تمكِّنه معاشرتهم من استجلاب رضاهم ودفع أذاهم.

كان يَنظر إلى الناس نظرا عميقا، ويجعل موقعه منهم تبعا لصنفهم، فالمعتدي عليه لا يمكن إلاَّ أن يكون واحدا من ثلاثة: أعلى منه مقاما، أو مساويا له في الرتبة، أو دونه. وكلٌّ من هؤلاء يستحقُّ أن يسكت عن هفواته، وقد لخـَّص هذه النظرية في هذه الأبيات الحكيمة:

سألزم نفسي الصفح عن كل مذنب،،، وإن كثرت منه عليَّ الجرائم

وما الناس إلاَّ واحد من ثلاثة،،، شريف، ومشروف، ومثل مقاوم

فأمَّا الذي فوقي، فأعرف فضله ،،، وأتبع فيه الحقَّ، والحقُّ لازم

وأمَّا الذي مثلي، فإن زلَّ أو هفا ،،، تفضَّلت، إنَّ الفضل بالعزِّ حاكم
وأمَّا الذي دوني، فإن قال صنت عن ،،،إجابته عرضي، وإن لام لائم
ثمة عوامل أسهمت في تكوين شخصية العالم ـ الخليل ـ العلمية، مما جعله متميزاًعن غيره، فحضوره حلقة القارئ «عاصم بن أبي النجود» في الكوفة، وما أخذه من مكة عن قارئها «ابن كثير» وسعيه الدائم في اكتساب العلوم الشرعية، واتصاله بالأعراب الذين تؤخذ اللغة عنهم، وذلك من خلال تجواله في بوادي الحجاز ونجد وتهامة، ولا سيما الالتقاء بأئمة العربية في عصره، كل ذلك جعله فقيهاً في اللغة عارفاً أسرارها، وهذا جعله متصدراً للتدريس في مسجد البصرة الكبيرة ومن صفاته، ذكاؤه النادر، وقوته الذهنية المتميزة في الفطنة والنباهة وقوة الملاحظة، مما كان هذا العامل ـ الذكاء ـ الأساس في تكوين شخصية هذا العالم الفذ.
من أقوال الخليل:
ومن أقواله المشهورة : إذا خرجتُ من منزلي لقيتُ أحد َ ثلاثة ٍ
؛ إما رجلا ً أعلم ُ بشيء ٍ مني فذلك يومُ فائدة ، أو رجلا ً مثلي فذلك يوم ُ مذاكرة ٍ ، أو رجلا ً
دوني فذلك يوم ُ ثواب . ومن أقواله كذلك : من الناس ِ منْ يدري ويدري أنه يدري فذلـــــكَ
عالم ٌ فاتبعوه ، ومنهم منْ لايدري ولا يدري أنه لايدري فذلك جاهل ٌ فاحذروه ، ومنهم مـــنْ
يدري ولا يدري أنه يدري فذلكَ ضال ٌ فأرشدوه. وقال : ثلاث ٌ يـُنسينَ المصائب َ : مـرُّ
الليالي ، والمرأة ُ الحسناء ُ ، ومحادثة ُ الرجال ِ . قال أبو عاصم : دخلت ُ على الخليل قبل
وفاته بأيام ٍ فقال : والله ما فعلتُ قط ُّ فعلا ً أخافُ على نفسي منه.
المراجع:
يراجع أحمد عبد الغفور عطار، مقدمة الصحاح، دار الكتاب العربي مصر، دت، ص:95.

ـ الخليل بن أحمد (مقدمة) كتاب العين، دت : د/ مهدي المخزومي، د/إبراهيم السامرائي، ط‍1، إيران: 1409هــ1989م، ص:6.

ـ يراجع، د/ مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، دار الرائد العربي، بيروت، لبنان: 1986م، ص:23.

ـ يراجع، أبو الطيب اللغوي، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، مراتب النحويين، دار الفكر العربي، القاهرة: 1394هـ ـ 1974م ص: 55 وما بعدها، وانظر: د. مهدي المخزومي، عبقري من البصرة، (مرجع سابق) ص"24.

ـ يراجع: المرجعين السابقين، نفس الصفحات.

ـ يراجع: زيد بن عبد المحسن، من أعلام التربية العربية الإسلامية، مكتب التربية العربي لدول الخليج، الرياض: 1409هـ/1988م، ج1، ص:164. نقلا عن: ماسينيون: خطط البصرة وبغداد، ص: 18.

ـ ابن كثير، البداية والنهاية، مكتبة المعارف، بيروت، ج10،ص161، / ابن عماد الحنبلي، ت: محمد الأرناؤوط، شذرات الذهب، ط: دار بن كثير، بيروت:1406هـ1986 م،ج1 ص:270
ـ د. مهدي المخزومي، الخليل بن أحمد، جار الرائد العربي، بيروت:1406هـ / 1986م،ص44.

ـ يراجع ابن نباته المصري، سرح العيون، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، بيروت: 1406هـ / 1986، ص:296.

ـ يراجع المرجع السابق.

الشعفي
20-02-2008, 09:00 PM
[COLOR="Purple"]

شكراً أخي الأزدي العماني على هذه المشاركة

وجدت أحد المواقع قد كتب نبذة عن الفراهيدي فقال :

الإمام اللغوى صاحب العربية وإمامها، مبتكر علم العروض ومنشئه

الخليل بن أحمد الفراهيدي الدوسى الزهراني. ينسب الخليل الى فرهود

بن زيد بن شبابة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله

بن زهران بن كعب بن الحارث..وفرهود في اللغة هو ولد الأسد. له من

الكتب: كتاب العين في اللغة وكتاب العروض وكتاب الشواهد وكتاب النقط

كان – رحمه الله – من أزهد الناس وأعلاهم نفسـا ً ، وأشدهم تعففا ً ،

ولقد كان الملوك يقصدونه ويتعرفون إليه لينال مـــــن عطائهم ، فلم يكن يفعل

وكان يعيش من بستان ٍ تركه له أبوه ، وكان يغزو سنة ً ويحج ُسنة ً حتى

جاءه الموت ، ومن أقواله المشهورة : إذا خرجتُ من منزلي لقيتُ أحد َ ثلاثة ٍ

؛ إما رجلا ً أعلم ُ بشيء ٍ مني فذلك يومُ فائدة ، أو رجلا ً مثلي فذلك يوم ُ مذاكرة

ٍ أو رجلا ً دوني فذلك يوم ُ ثواب . وقال : ثلاث ٌ يـُنسينَ المصائب َ : مـرُّالليالي

والمرأة ُ الحسناء ُ ، ومحادثة ُ الرجال ِ . قال أبو عاصم : دخلت ُ على الخليل قبل

وفاته بأيام ٍ فقال : والله ما فعلتُ قط ُّ فعلا ً أخافُ على نفسي منه ُ . وهو أستاذ ُ

سيبويـــــــه النحوي المشهور رحمه الله رحمة ً واسعة .