فاطمة بنت أحمد بن خلفان بن حميد الجهضمية
فاطمة هي امرأة من زهران عاشت في القرن الثالث الهجرى وانتقلت إلى جزيرة سقطرى الواقعة شرق خليج عدن و تبعد عن عدن بحوالي 553 ميلا التي كان الوالي عليها نسيبهم ( القاسم بن محمد الجهضمي
وتكنى بـ الزهراء : أما نسبها فيعود إلى جهضم بن مالك بن فهم الدوسي الزهراني
والجهاضم من زهران جاء ذكرهم في كتابنا دراسة شاملة عن قبيلة زهران (1) وذكرهم الجاسر في كتابه في سراة غامد وزهران
وللعلم فإن الجهاضم بطن كبير نسب إليهم محلة بالبصرة وينقسم هذا البطن إلى اثنى عشر فخذ ومن رجالهم نصر بن علي الجهضمي
وهذا الاسم والكنية تيمما بفاطمة الزهراء رضي الله عنها واشتهرت به والذي يهمنا إن هذه الزهرانية لما شاهدة دخول الأحباش إلى هذه الجزيرة الآمنة وقتلوا الوالي وافسدوا فيها وعاثوا وظلموا وفسقوا فدا خلها الغيرة للدين الحنيف ولأهلي البلد مما أصابهم من القهر والتعسف
فبعثت بهذه القصيدة للإمام ( الصلت بن مالك الخروصي) إمام عمان لاستنهاضه وحثه لأخرج النصارى من جزيرة سقطرى .فأجاب الإمام دعوتها واستعان بالله علي ذلك. وبعث مائة سفينة حربية ووضع لهم تنظيم .وقد أعانه الله فخلص الجزيرة من الأحباش
و الصلت بن مالك الخروصي الذي تولى للإمامة من عام 237هـ لغاية 273هـ ينتسب إلى قبيلة آل يحمد واليحمد بن حُمّى (حُمّى هو عبد الله ) بن عثمان بن نصر بن زهران
وكانت تعرف ب (الزهراء ) إلا أن ( مداد بن سعيد بن حمد الهنائي في كتابة القيم التاريخ والبيان في انساب قبائل عُمان ذكر أنه تحقق من اسمها كما هو مدون أعلاه (فاطمة ) وذكر إنها جهضمية (2)
ولكن كيف وصلت الرسالة إلى مدينة صحار التي تشرف على بحر عمان لقد ذهبت سابحة ولكن لا تستغرب فعندما تتجه القلوب لله خاشعة متضرعة متذلله فإن الله قد وعد بالا ستجابه كماقال في محكم كتابه العزيز
قوله - تعالى -: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (البقرة 186 ).وقال الله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ }غافر60وقال تعالى : {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }النمل62...
والدعاء من أعظم القربات التي تصل العبد بخالقه ، فقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الدعاء هو العبادة ) رواه أبو داود .وذلك لما يجتمع في الداعي من صفات الذل والخضوع والالتجاء إلى من بيده مقاليد الأمور . ولما كان الدعاء بهذه المرتبة ، أمر الله عز وجل عباده أن يدعوه في كل أحوالهم فقال تعال : { ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } (لأعراف:55)
والدعاء من جهة اللغة يطلق على سؤال العبد من الله حاجته، ويطلق من جهة الشرع على معان عدة، منها العبادة، وعلى هذا فُسر قوله - تعالى -: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي: اعبدوني وأخلصوا لي العبادة دون من تعبدون من دوني؛ وعن ثابت، قال: قلت لأنس - رضي الله عنه -: يا أبا حمزة أبلغك أن الدعاء نصف العبادة؟ قال: لا، بل هو العبادة كلها. ويمكن أن يقال أيضًا: إن إجابته - سبحانه - متعلقة بإرادته، فيجيب لمن يشاء من عباده، ويُعْرِض عمن يشاء، لحكمة يريدها الله، يؤيد هذا قوله - تعالى -: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} (الأنعام: 41) والقرآن يفسر بعضه بعضًا
وقال الشاعر
تنام عيناك والمظلوم منتبها ** يدعو عليك وعين الله لم تنم
. وليس ببعيد عن هذه القصة فتاة عمورية التي استصرخت بالمعتصم بالله وهي في عمورية والمعتصم في بغداد فهيا لها الله من يوصل صرختها ويسرع في نجدتها
نستخلص من هذه الايات الكريمة وهذه الأحاديث الشريفة إن النسوة عندما تكالبت عليهن جنود الشر والفساد واتجهنا إلى الله بدعائهن كتبت الزهراء قصيدتها و دفعتها في البحر ووجدت القصيدة في صحار وسلمت للإمام ( الصلت.فأجاب الإمام دعوتها واستعان بالله علي ذلك وقيل أنه جهز مائة سفينة وطرد الغزاة واستتب الأمن والأمان في الجزيرة.
ولقد اثبت جزء من القصيدة الأستاذ أحمد بن على الزهراني في كتابه القيم العنوان في انساب زهران من الحجاز إلى عمان وغيرهما من البلدان (3) نورد هذا الجزء ونضيف عليه بعض المقتطفات ولعلنا نبحث في المستقبل عن سيرة هذه السيدة فقد يكون هناك جوانب خافية علينا والكتب العمانية تزخر بمثل هذه السير
القصيدة
قل للإمام الذي ترجى فضائله *** ابن الـكرام وابـن السادة النجـب
وابن الجحاجحة الشم الذين هم *** كانوا سناها وكانوا سادة العرب
امست سقطرى من الإسلام مقفرة *** بعـد الـشرائع والفرقـان والكتـب
وبعـد حي حـلال صـار مغـتـبطا *** في ضل دولـتهم بالمال والحسب
لم تبق فيها سنون المحل ناظرة *** من الغصون ولا عودا من الرطب
واستبدلت بالهدى كفرا ومعصية *** وبـالأذان نواقـيسا مـن الخـشـب
وبالـذراري رجـالا لا خـلاق لــهم *** مـن اللـئام علوا بالقـهر والغـلب
جار النصارى على واليك وانتهبوا*** مـن الحريم ولـم يألوا من السلـب
إذ غادروا قاسما في فتية نجب *** عقوى مسامعهم في سبسب خرب
مجندلين سراعـا لا وسـاد لهـم *** للـعاديـات لسبـع ضاري كـلـب
واخرجـوا حرم الإسلام قاطبـة *** يهـتفـن بالويل والأعـوال والكرب
قل للإمام الذي ترجـى فضائلـه *** بـأن يغيـث بنات الدين والحسـب
كــم مـن مـنعـمة بـكـر وثيبـة *** من آل بيت كريم الجد والنسب
تدعواأباهما إذا ما العلج هم بها *** وقـد تـلقـف مـنها موضـع اللبـب
وباشر العلج مـا كانت تضن بـه *** على الحلال بوافي المهر والقهب
وحـل كـل عـراء مـن ملمتهـا ***عن سوءة لم تزل في حوزة الحجب
وعـن فـخوذ وسيقـان مدملجـة *** وأجـعـد كـعــناقـيد مـن الـعــنـب
قهرا بغير صداق لا ولا خطبت *** إلا بضرب العوالي السمر والقصب
أقول للعين والأجفـان تسعفنـي*** يا عين جودي على الاحباب وانسكبي
ما بال صلت ينام الليل مغتبطا *** وفي سقطرى حريم با دها النهب
يا لا الرجال أغيثوا كل مسلمة *** ولو حبوتم على ألاذقان والركب
حتى يعود عماد الدين منتصبا *** ويهلـك الله أهـل الجـور والـريـب
وثم يصبح دعى الزهراء صادقة ** بعد الفسوق وتحيـى سنة الكتـب
ثم الصلاة على المختار سيدنا *** خيـر البريـة مأمون ومنتخـب

وللعلم أن القصيدة مطبوعة في القاهرة تحت عنوان الحلل السندسيه في مطبعة أم القرى ولكن لم نستطيع حتى الآن الحصور عليها فقد تكون أطول مما عثرنا عليه

وفاتها :
توفيت هذه الشاعرة الغيورة على دينها وأمتها في عام 273هـ الموافق 886م في جزيرة سقطرى وهو نفس العام الذي توفى فيه الصلت بن مالك الخروصي رحمهم الله وأموات المسلمين

_________
1)دراسة شاملة عن قبيلة زهران ص 9
2) التاريخ والبيان في انساب قبائل عمان ص 204
3) العنوان في انساب زهران ص 431
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرة في مجلة الاسلام اليوم بالعدد رقم (94) الصادر في رمضان 1433هـ اغسطس 2012م