\r\n
\r\n\r\n \r\n \r\n بسم الله الرحمن الرحيم\r\n
\n
\nالكذبة التاريخية ... بين السموءل والحارثي...
\n
\nبقلم:أ. د: بكري شيخ آمين
\n
\nتنتشر أحياناً بعض الإشاعات الكاذبة في حياتنا، فيصدقها بعض الناس، ويكذبها بعض آخر، ويقف آخرون منها موقفاً لا هو بالمصدق ولا هو بالمكذب، لأنهم بالأصل لايهتمون بالخبر، ولا يبالون إن كان صحيحاً أو غير صحيح.
\nواللافت للنظر أن بعض هذه الإشاعات كذب بالأصل، ولكنها سارت وانتشرت من مكان إلى مكان، ومن عصر إلى عصر، ومن دولة إلى أخرى، ومن جيل إلى جيل.. فإذا هي تكتسب مع الزمن قوة الحقيقة، وتحتل مكانة الصدق، ثم لا يجرؤ أحد أن يناقش صحتها أو عدم صحتها، فالزمن الممتد، وتكرار ترديده بين الناس هو الذي منحها القوة والثبات والرسوخ.
\nوبنـــــاءً على هـــــذه الظــــاهرة استنتج غوبلز وزيــــر الدعــــاية الألماني في أيـــــام هتلر النازية مبــــدأ (اكذب، ثم اكذب، ثم اكذب.. إلى أن تصــــبح الكذبة حقيـــــقة بين الناس). واتخــــذ كثيرون في مختلف دول العالم هــــذا المبدأ، فراحوا يكذبون على شعوبهم أو على الأمم الأخرى، ويــــــكذبون.. وتنطلي الكذبات المتتالية والكثيرة والدائمة على الناس فيصـــــــدقون، وهم لا يدرون أنهم سقطوا في فخ من الأكاذيب.
\nالموضوع الذي أريد التحدث عنه يتلخص حول صحة أبيات السموءل بن عـــــاديا اليهودي الجاهلي الأبيات الشــــعرية المشـــــهورة التي قالها بعد أن ضحـــــى بابنـــــه الشاب في سبيل محافظته على وعده لامرئ القيس الشــــاعر الجاهلي المعروف بأن يصــــون دروعه وامرأته أثناء غيابه في سفره إلى بلاد الروم، فضرب به المثــــل في الوفــــاء، وصـار يقال:
\nأوفى من السموءل. ومن تلك الأبيات المتفرقة:
\n
\nإذا المرءُ لم يَدْنَسْ من اللؤم عِرضُه**فـكـل رداءٍ يرتـديـه جـمـيـلُ
\nوإنْ هو لم يَحمِلْ على النفس ضيمَها**فليس إلـى حُسْـنِ الثنـاء سبيـلُ
\nتُعيِّـرُنـا أنّــا قلـيـلٌ عَديـدُنـا**فقلـت لهـا: إنّ الـكـرامَ قلـيـلُ
\nومـا ضَرَّنـا أنّـا قليـلٌ، وجارُنـا**عزيـزٌ، وجـارُ الأكْثريـنَ ذلـيـلُ
\nوإنّا لَقومٌ ما نَـرى المـوتَ سُبَّـةً**إذا مـا رأتْـه عـامِـرٌ وسَـلـولُ
\nوما مات منّـا سيِّـدٌ حتْـفَ أنفِـه**ولا طُـلَّ منـا حيـث كـان قتيـلُ
\nتسيل على حَـدِّ الظُّبـاتِ نفوسُنـا**وليستْ على غيـرِ الظُّبـاتِ تسيـلُ
\nسَلِي إنْ جهلتِ الناس عنا وعنهـمُ**فليـس سـواءً عالـمٌ وجَـهـولُ
\nفإنَّ بنـي الدَّيّـانِ قطْـبٌ لقومهِـمْ**تَـدورُ رحاهُـمْ حولهـم وتَـجـول
\n
\nوكنت أتمنى لو تعرض لخبر السموءل العلماء المسلمون الذين نخلوا الأحاديث التي رويت على لسان الرسول محمد بن عبداللّه صلى اللّه عليه وسلم وغربلوها، وبينوا ما فيها من زيف، أو ضعف، أو بطلان، يوم ابتدعوا لذلك علماً رائعاً اسمه: علم الجرح والتعديل، وسموا الوضاعين بأسمائهم، وبينوا أسباب وضعهم، ودواعي كذبهم.. لكن رواة الأدب واللغة المسلمين لم يعتـــنوا بهذا الجانب، وجمعوا ما هب ودب، فدخل كثير من الأشعار والأخــــــبار في المجاميع التي ألفوها.. ليــــــس لها صحة، بل لم يكن وجود لأصحابها.. فانتشـــرت في الآفاق، وسارت مع الركبان.. وكان من جملتها أشعار قالها آدم ونوح وإبــــراهـــــيم وكثير من الأنبياء - عليهم السلام - ولم يكن أي منهم يعرف حرفاً من الحروف العربية.
\n
\nبداية الرواية:
\nروى الأعلَم الشَّنْتَمَرِي الأندلسي المتوفى سنة 476هـ/1084م في كتابه "شرح أشعار الشعراء الستة" قصة امرئ القيس مع السموءل، ومما قال: (وظل امرؤ القيس شريداً يتنقل بين أمراء العرب، حتى نزل أخيراً على السموءل بتيماء، فأجاره، وطلب إليه امرؤ القيس أن يكتب للحارث- أمير الغساسنة بالشام- ليوصله إلى قيصر ملك الرومان، ويمهد لامرئ القيس سبيل السفر إلى القسطنطينية، يطلب منه المعونة ليستعيد ملكه، فأجاب السموءل طلبه، فأودعه امرؤ القيس دروعاً كان يتوارثها ملوك كندة، ورحل إلى قيصر، وكان ذلك في عهد القيصر يوستانوس.
\nوجاء التبريزي (ت 502هـ/1109م) في "شرح كتاب الحماسة لأبي تمام" فزاد الطين بِلَّة حيث قال معقباً على القصيدة التي مطلعها:
\nإذا المرءُ لم يدْنَسْ من اللؤم عرضُه**فـكـلُّ رداءٍ يَرْتـديـهِ جَمـيـلُ
\n
\nففصل القصة أكثر مما فعل الشنتمري، ومما قال التبريزي: "يضرب بالسموءل المثل بالوفاء، لأنه أسلم ابنه ولم يخن أمانته، في أدراع أودعها عنده امرؤ القيس لما صار إلى الشام يريد قيصر، فطلبه المنذر بن ماء السماء، فلجأ إلى السموءل ومعه أدراع كانت لأبيه، فوجه المنذرُ بالحارث بن ظالم في خيل، وأمره أن يأخذ مال امرئ القيس من السموءل، فلما نزل به تحصن منه، وكان له ابن قد يفع، وخرج إلى قنص، فلما رجع، أخذه الحارث بن ظالم، ثم قال للسموءل: أتعرف هذا؟ قال: نعم! هذا ابني! قال: فســــلِّمْ ما قبَلَكَ أم أقتله؟ قال الســـــموءل: شأنَك به، فلست أخفر ذمتي، ولا أسلِّم مال جاري. فضرب الحارثُ وسط الغلام فقــــطعه قطعتـــين، وانصــرف عنــــه. فضرب به المثل".
\n
\nقصة تروى:
\n
\nأما القصاصون والروائيون فقد راقهم الخبر، وأعجبتهم القصة، واعتمدوا على أبيات منسوبة إلى الأعشى يمدح فيها السموءل، وفيها يقول:
\n
\nكنْ كالسموءل إذْ طاف الهمام به**في جحفل كهزيع الليـل جَـرار
\nإذْ سامه خطَّتيْ خسْفٍ، فقال له**قل ما تشا، فإني سامـع حـارِِ
\nفقال: غدرٌ وثُكلٌ، أنـت بينهمـا**فاختر، وما فيهما حظ لمختـار
\nفشكَّ غير قليل، ثـم قـال لـها**قتل أسيرَك، إني مانـع جـاري
\nفاختار أدراعه كي لا يُسَبَّ بهـا**ولم يكن عهـدُه فيهـا بختَّـار
\n
\n
\nلم ينتبه القصاصون والروائيون إلى هلهلة هذا الشعر، وكأنه من عصور الضعف والانحطاط، بينما شعر الأعشــى من الطراز الأول بين الشعراء الجـــاهليين، ورســول المنــذر بن ماء الســــماء اسمه الحارث بن ظالم، وهو في غاية الخسة والغدر والنــــذالة، يســـتجيز الغدر، ويسـتهين بالثكل من أجل دروع أودعها عنده شاعر.. ويقطع رأس الصغير بكل برودة قلب، وما ذنب أبيه إلا أنه حفــظ الأمانة، وحافظ على وعده وعهده.
\n
\nأو لا تكفي هذه الملاحظات لرمي القصة من أولها إلى آخرها بالانتحال والتزيد والوضع، بل بالكذب الصراح.. وهل في التاريخ العربي -ولا أقول الإسـلامي - ما يشبه هذه النذالة في رجل سـواء كان في العصر الجاهلي، أوقبله، أو بعــــده، إلى يومنا هذا؟
\n
\nشواهد كثيرة ترمي القصة بالإنتحال والتزيد والوضع:
\n
\nأما السموءل في شعر الأعشى فله من الشمائل، والأخلاق الحميدة، والوفاء الذي عز له نظير، والمحافظة على العهد والوعد، ما لم يتصف به عربي فـــي الجاهلية قط، يذبح ابنه - والأب سـيد من السادات - أمام عينيه، فلا يحرك ساكناً، بل يقول قصــــيدة غنائية مفتخراً بفعاله، معتزاً بأخــــلاقه، وشــرفه، ولا يَرِدُ على لسانه في القصيدة كلها كلمة صـــغيرة في ابنــه، ولا يبكيه ولو بدمعة صغيرة.
\n
\nالنقد الموضوعي يوحي باختلاق أبيات الأعشى، كما يوحي بأن ما أورده الأعلم الشــــنتمري والتبـــريزي كلام منتحـــــل وموضـــوع من أوله إلى آخره.
\n
\nالغريب أن عدداً كبيراً من القدماء والمعاصرين صدقوا هذه الأكذوبة ورددوها في كتبهم، وكأنها حقيقة لاشك فيها ولا مِراء.
\n
\nذكر أبو تمام في الحماسة أبياتاً ونسبها إلى السموءل، وكررها صـــاحبا كتاب "الوســـــيط في الأدب العربي وتاريخه" وهما أحمد الإســـكندري ومصطفى عناني بك، ثم رددها مؤلفون كبار في مصر وهم: أحمد الإســـــكندري، وأحمد أمين، وعلي الجارم، وعبدالعزيز البشــري، وأحمد ضـــــيف في كتابهم "المفصل في تــــاريخ الأدب العربي". والأبيات التي ذكرها المفصل:
\n
\nوإنا لَقومٌ لا نرى الموت سبة**إذا ما رأته عامـر وسلـول
\nيقرب حب الموت آجالنا لنا**وتكرهـه آجالهـم فتطـول
\nوما مات منا واحد حتف أنفه**ولا طل منا حيث كان قتيـل
\n
\nحقيقة هذا الشعر:
\nقائل هذه الأبيات رجل عباسي مسلم، اسمه عبدالملك بن عبدالرحيم الحارثي من أرض اليمن السعيدة، من بني الحارث بن كعب، وهم بطن من بطون مذحج، من عرب الجنوب، ومن هؤلاء بنو عبدالمدان، وبنو عبدالمدان يســــكنون الفَلَجَة من أرض الشـــام، وهي اليــــوم في شرقي الأردن.
\n
\nوقصة عبدالملك الحارثي هي التالية:
\n
\nضاقت الشام بشاعرية عبدالملك الحارثي، فقصد بغداد في مطلع شبابه -كما يبدو- ولكن لم ينل فيها توفيقاً.. وقيل: إن هارون الرشيد غضب عليه- لسبب لا نعرفه -فسجنه، وغابت أخبار عبدالملك من الكتب، وضاعت أشعاره.
\nوأول من ذكر أشعار عبدالملك أبو تمام في ديوان "الحماسة"، ثم أورد ابن المعتز ترجمة موجزة لعبدالملك، وأبياتاً كثيرة، وكان ابن المعتز يورد في كتابه "طبقات الشعراء" تراجم المعاصرين له، والقريبين من زمانه، كذلك أورد الثعالبي (ت 429هـ) شيئاً من شعر عبدالملك الحارثي في كتابه "خاص الخاص". ومن الراجح أن عبدالملك أدرك صــــدر القــــرن الثــالث الهجري (الربع الأول من القرن التاسع الميلادي).
\nكان عبدالرحيم شاعراً مفلقاً، مفوهاً، مقتدراً، مطبوعاً، لا يشبه شعره شعر الأعراب، ويبدو أنه كان مكثراً ومطيلاً، غير أن بعض شعره ضاع، كما نسب بعض آخر إلى غيره من الشعراء.
\nكان كثير من الناس منذ القديم يظنون أن القصيدة التي مطلعها "إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه" للسموءل بن عاديا اليهودي.. ولكن بعض رواة الأدب كابن طباطبا العلوي (ت 478) وأبي بكر الصولي (ت 335هـ) وابن الأعرابي (ت 231هـ) والمرزوقي (ت 421هـ) ذكروا أنها لعبد الملك بن عبدالرحيم الحارثي، ونبهوا على أنها تنسب خطأ إلى السموءل.
\nويبدو أن شهرة السموءل عند الناس لاتصاله بامرئ القيس، ورهن دروعه عنده، ثم خمول ذكر الحارثي، وقد يكون للسموءل أبيات مروية على وزن أبيات عبدالملك ورويها.. أسباب جعلت ضعفاء النقاد ينسبون أبيات عبدالملك للسموءل.
\nوأكبر دليل على براءة السموءل من القصيدة أن تعبير (ماتَ حَتْفَ أنفِهِ) تعبير إسلامي ورد على لسان سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم أول ما ورد، ولم يكن من تعبيرات الجاهلية قبله.
\nثم إن افتخار السموءل ببني عبدالمدان وهم قبيلة عبدالملك، وليسوا قبيلة السموءل بن عاديا، فكيف يفتخر شاعر بقوم هــــم من غيــر أبناء عشيرته؟
\n
\nالنقد الموضوعي لكل الجوانب يوحي باختلاق أبيات الأعشى
\n
\nثم نتساءل عن تلك العاطفة غير الإنسانية، وغير المعهودة في بني البشر جميعاً.. يقتل أو يذبح شاب في ريعان الشباب، وأمام عيني أبيه، ويشق إلى شقين، والأب يراه بأم عينيه، ويرى قاتله، ثم لا يحرك ساكناً، ولا يبكي ولده بدمعة، ولا يثأر لولده، ولا يقول فيه كلمة رثاء، ولكنه يتغنى بأبيات لا علاقة لها بغدر الحارث بن ظـــــالم، ولا بقصة امرئ القيـــس مع ملك الــــروم من أولها إلى آخرها.. فكأن القصة من عالم، والقصيدة من عالم آخر. ونتساءل اليوم: هـــــل كان اليهـــود في ماضي الزمان، ووســـــطه، وحاضره.. في الشـــــرق أو في الغرب، في الشمال أو في الجــــنوب.. من حفـــــظ العـهد، وأدى الأمــــانة، ورعى عهداً أو ميثاقاً؟
\n
\nوما قصة غدر اليهود بعد أن عاهدوا الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلم وأقسموا جهد أيمانهم على الوفاء بعهدهم، ثم خانوه وغدروا، ودسوا الدسائس، وحاولوا اغتياله، وقدموا إليه الشـــــاة المسمومة، وألبوا القـــبائل ضده.. ببعيدة عنا وعن ذاكرتنا.
\n
\nواليوم.. نرى ونسمع كل يوم عن غدر اليهود وفتكهم، وعداوتهم لكل عربي ومسلم.. وهي كلها برهان على أن أبيات السموءل مكذوبة من أولها إلى آخرها..
\n
\nونسأل اللّه المولى القدير أن يجازي كل من روج لها، واعتمدها، وزين كتابه بها، وعـــــرف الحقيــقة ولم ينشرها.
\n
\nورحم اللّه عبد الملك بن عبدا لرحيم الحارثي فلقــــد ظُلم في ماضي الزمان، ولا يــــزال يظــــلم، وجوهــرته المكنونة تعــــلق على رقبة من لا يستحق، أو رجل أدني من أن تنسب إليه مثل هذه الجـــوهـــرة، بل أن يلمسها، أو تمسها أنامله...
\n**
\nعضو اتحاد الكتاب العرب
\nعضو اللجنة العالمية للغة العربية
\n
\n...............................
\n
\nقال ابن خرمان :
\nكتب الدكتور بكري شيخ أمين هذا المقال في مجلة ( أهلا وسهلا ) اغسطس 2006م , كما وجدت هذا المقال في عدة منتديات الكترونية تهتم باللغة والأدب .
\nالحقيقة أميل شخصيا الى تصديق ماذكره الكاتب للمبررات التي أوردها في ثنايا مقاله , ولقناعتي الشخصية ومن متابعة لمايقوم به اليهود ومانسمع عنهم ومانقرأ عن سيرتهم وأعمالهم في كل مجتمع يدخلون اليه .
\nيوجد أيضا في كتب التراث كثير من القصص التي تشم فيها رائحة الشعوبية والايحاء الى القاريء أن العرب أمة غوغاء همجية لم يكن لهم سبيل الى التقدم والحضارة لولا دخول الاجناس الأخرى الى الاسلام , مع العلم أن أكثر تلك الكتب كتبت في العصر العباسي ومابعده حين أصبح للشعوبيين دور كبير في الحكم حيث تمكنوا من تريج هذه الأكاذيب والشائعات .
\nنتمنى أن يأتي من العلماء المتخصصين أمثال الدكتور بكري من يقف على هذه الروايات لينقحها من الشوائب ويصحح معلوماتها.\r\n



\r\n \r\n \r\n \r\n
رد مع اقتباس
